الشيخ محمد رشيد رضا

596

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال في درجات الدار الآخرة بعد بيان التفاضل في الرزق بين الكفار مريدي الدنيا وحدها والمؤمنين مريدي الآخرة ( 16 : 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) وجملة القول إن اللّه خلق البشر متفاوتين في الاستعداد والعقول والاعمال واقتضى ذلك بنظام سننه في خلقه تفضيل بعضهم على بعض درجات في الدنيا وفي الآخرة وفي المكانة عند ربهم وهذه الأخيرة عليا الدرجات وأفضلها وقوله تعالى وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ معناه ولهم مغفرة من اللّه لذنوبهم الحقيقية التي سبقت وصولهم إلى درجة الكمال إن كانت كبيرة وما كان من قبيل اللمم ، ولذنوبهم الإضافية التي يحاسبون بها أنفسهم بعد بلوغ الكمال كالغفلة عن ذكر اللّه حينا ، وترك الأفضل إلى ما دونه حينا آخر ، وفوت بعض أعمال البر الممكنة أحيانا ، وأمثال ذلك مما يعبر عنه بحسنات الأبرار سيئات المقربين ، ورزق كريم في الجنة ، والكريم تصف به العرب كل شيء حسن في بابه لا قبح فيه ولا شكوى منه . * * * ( 5 ) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 6 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 7 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 8 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * * * تقدم في تفسير قصة البقرة من سورتها أن سنة القرآن في ذكر القصص والوقائع مخالفة للمعهود في أساليب الكلام من سردها مرتبة كما وقعت ، وإن